التخطي إلى المحتوى

وضعت جولة القتال الأخيرة في فلسطين أوزارها، لكن الحرب لم تضع أوزارها إذ لا تزال جذور المشكلة كامنةً تحت الرماد. فلا يزال مشروع التهجير والتطهير العرقي وسرقة الأرض والموارد ومحو الهوية الفلسطينية الذي أسست عليه دولة الاحتلال الصهيوني من أول يوم قائماً، ولا يزال الشعب الفلسطيني قائماً أيضاً، ولا تزال إرادة التحرر ورفض التأقلم مع الاندثار صلبةً في نفوس الفلسطينيين، وهذا ما يعني أن جولاتٍ جديدةً من المواجهة هي مسألة وقت وحسب، ولا يمكن حل المشكلة ما لم تعالَج جذورها.

تميزت جولة المواجهة الأخيرة بأنها أعطت إشارات واضحةً، لم تكن بذات الوضوح في الجولات السابقة، وهي إشارات تشكل معالم خارطة النضال الفلسطيني في سبيل الحرية وتقويض المشروع الاستعماري الصهيوني، وتمثل تلك الإشارات البذور التي تنتظر سقايتها وتنميتها حتى تستوي على سوقها وتتحول إلى حالة مواجهة جذرية شاملة في المستقبل؛ تسدِّد البطشة الكبرى التي تقوِّض المشروع الاستعماري الصهيوني.

 

الإشارة الأولى: الشعب الفلسطيني واحد

فشلت المساعي الحثيثة لمشروع الاستعمار الصهيوني في تفتيت الشعب الفلسطيني وتحويله إلى كيانات متشرذمة مفككة، كل كيان منها يخوض معاركه الخاصة ويستفرد به الاحتلال دون مشروع وطني جامع. هذه المرة كان اسم فلسطين واضحاً ومتجاوزاً للقضايا الجزئية، فلم تكن هذه المرة مسألة غزة أو مسألة القدس أو مسألة التمييز العنصري ضد فلسطينيي الداخل فقط، فقد خاض الفلسطينيون في غزة والقدس وفلسطين الداخل والضفة وفلسطين الخارج معركةً متزامنةً تحت علم القضية الكبرى الجامعة: نضال الشعب الفلسطيني ضد المشروع الاستعماري الصهيوني.

 

الإشارة الثانية: صورة الضحية وصورة البطولة

الفلسطينيون ضحايا بلا شك، فهم يخوضون معركةً غير متكافئة مع عدو يملك أحدث الأسلحة والإمكانات، ويحظى بدعم غير محدود سياسياً واقتصادياً وعسكرياً من القوى الكبرى في العالم.. هذا العدو قد اقتلعهم من ديارهم واحتل أرضهم ودمر منازلهم، وعاشوا تحت عدوانه دهراً طويلاً من المعاناة والقتل والسجن والحرمان من أساسيات المعيشة، لكن البكاء على التغريبة الفلسطينية لم يتحول إلى فعل إيجابي ضاغط على مشروع الاحتلال بالقدر الكافي. إن حالة التعاطف العالمي مع فلسطين تذكرنا بالمقولة التاريخية: “قلوبنا مع علي وسيوفنا مع معاوية”. البكائيات على فلسطين لم تكسر شوكة الاحتلال ولم تلجمه عن مواصلة عدوانه.

هذه المرة ظهر الجانب الآخر من القصة، إن الفلسطينيين ضحايا مستضعفون، ولكنهم أيضاً أقوياء الإرادة وأولو بأس شديد، إنهم لا يعرفون الاستسلام أو الهزيمة النفسية والإقرار بتغلب العدو، إنهم ينحتون تحت الأرض ويقهرون حصارهم من أجل معادلة إرهاب هذا العدو ومقاومة عدوانه.

لامست بطولة المقاومة الفلسطينية تعطشاً في الضمير الإنساني العالمي، فالعالم لم يخرج هذه المرة من أجل البكاء على الضحايا الفلسطينيين وحسب، بل أيضاً مدفوعا بمشاعر القوة والتحدي التي ألهمته إياها تحركات المقاومين في غزة وقدرتهم على كسر كبرياء هذا العدو الذي ظن أن لن يقدر عليه أحد، وأن لن يقهره أحد.

 

الإشارة الثالثة: كسر كبرياء تل أبيب

مشهد ضرب تل أبيب بصواريخ المقاومة الفلسطينية واندلاع الحرائق فيها وهروب سكانها للاختباء؛ يتجاوز نقاشات الموازنة بين القدرات التقنية والتدميرية لأسلحة دولة الاحتلال وأسلحة المقاومة الفلسطينية المتواضعة والمحدودة، ويتجاوز بطبيعة الحال حسابات الخسارات المادية والبشرية في الفريقين. فالقيمة الجوهرية لسلاح المقاومة الفلسطينية هي إرادة القتال والتحدي التي يختزنها.

إن هذا السلاح ليس سوى التجلي المادي لإرادة الإصرار والتحدي والإيمان العميق بضرورة رفض وجود هذا العدو، ومقارعته وعدم التسليم بوجوده. المقاومة بطبيعة الحال لا بد أن تكون في ظل اختلال موازين القوى، فلو كانت موازين القوى متعادلةً لما كان هناك استعمار واحتلال من الأصل، لذلك فإن حسابات الشعب الواقع تحت الاحتلال تختلف عن حسابات القوة المحتلة. فالشعب الواقع تحت الاحتلال محشور في الزاوية ولا يملك إلا أن يدافع أو يموت مستسلماً، لذلك فإن أي فعل يدافع سطوة العدو وينغص عليه وينزع منه استقراره هو انتصار.

أما القوة الاحتلالية فإنها تحرص على خلق شروط الرفاهية لسكانها وإلى التحرر من شعور اللص الذي سرق بيتاً، بينما صاحب البيت يقف في الخارج وينظر إلى بيته، ومهما كان صاحب البيت ضعيفاً فإن مجرد وجوده يقض راحة السارق ويحرمه من الأمن والاستقرار.

إن الوجود الفلسطيني أولاً، ثم المقاومة مهما تواضعت أدواتها قادرة على القيام بدور عظيم، وهو تذكير المجتمع الاستعماري بأنه مجتمع غير طبيعي وأن هذا المكان ليس هو البيئة المناسبة للرفاهية والاستثمار، وأن أصحاب الحق لم يندثروا، إنما هم باقون وقادرون على إزعاجه. لذلك فإن التكلفة التي يدفعها المجتمع الاستعماري من المقاومة أكبر من حسابات الخسائر الملموسة، فالتكلفة الأهم هي فقدان الشعور بالأمن والاستقرار وفقدان الثقة بالمستقبل على هذه الأرض.

 

الإشارة الرابعة: ثورة فلسطينيي الداخل

فلسطينيو الداخل مثلهم كمثل موسى في بيت فرعون، فقد شاءت قدرة الله وسخريته من الظالمين أن يُري فرعونَ ما كان يحذر من أكثر الأماكن أمناً له وهو بيته. كان فرعون يتوقع أن يأتي من بني إسرائيل من يقوِّض ملكه فذبَّح أبناءهم، ولأن إرادة الله قاهرة فإنه تعالى لم يشأ أن يتربى موسى في مكان بعيد عن أعين فرعون، بل سيَّره إلى قصر فرعون تحديداً، فالتقطه آل فرعون ليربوه بأنفسهم وليكون لهم عدواً وحزناً، وهل هناك سخرية أعظم من ذلك؟!

فلسطينيو الداخل هم البقية القليلة التي نجت من عمليات التطهير العرقي والتهجير التي نفذتها الحركة الصهيونية عام 1948، وبقيت داخل حدود الدولة التي سميت إسرائيل، فمنحهم الكيان الجنسية الإسرائيلية وراهن على تذويبهم وأسرلتهم، وحارب كل مظاهر الهوية الفلسطينية فيهم. لكنَّ الأصل أبقى من الطارئ، فانبعث هؤلاء الفلسطينيون من داخل قصر فرعون وأعلنوا هويتهم الفلسطينية، وأنزلوا علم المستعمِر ورفعوا علم فلسطين، وأحرقوا مراكز الشرطة وسياراته، لأنهم لم يروا فيها شرطةً ونظاماً بل رأوا فيها جند المستعمِر.

دولة الاستعمار أكثر من يعلم خطورة الوجود الفلسطيني في داخلها، لذلك جن جنونها وأرسلت إليهم كتائب الجيش ونفذت حملة اعتقالات واسعة، لكن القمع كثيراً ما يأتي بنتيجة عكسية، وقد يساهم في تعزيز شعورهم بالانتماء الفلسطيني ودورهم في حركة النضال الوطنية من حيث أراد العدو أن يقهر إرادتهم.

 

الإشارة الخامسة: مسيرة العودة الخيار الحتمي

في 15 أيار/ مايو 2011 احتشد اللاجئون الفلسطينيون في لبنان وسوريا والأردن بالقرب من حدود فلسطين، استجابةً لدعوات مسيرة العودة في ذلك الوقت للتأكيد على حقهم المبدئي في العودة إلى وطنهم. بعد عشر سنوات بالضبط (في 14 أيار/ مايو 2021) تدفق آلاف اللاجئين الفلسطينيين من الأردن ولبنان إلى الحدود وحاولوا اجتياز الحدود، والفرق بين المرة الأولى والثانية، أن تدفقهم في الثانية كان عفوياً بدافع التفاعل مع هبّة الفلسطينيين في الداخل، دون إعداد استغرق شهوراً. وممارسة الفكرة بعفوية وتلقائية دليل على قوة الفكرة وأصالتها، فهي لا تحتاج إلى تنظير كونها تمثل اختياراً طبيعياً يقرره الناس.

ماذا لو توسعت الأحداث وتحول الآلاف إلى مئات الآلاف من جحافل اللاجئين المتظاهرين بهدف العودة عبر الحدود الطويلة لفلسطين؟ إن أحداث أيار/ مايو 2021 يمكن اعتبارها “البروفة” لحركة نضالية أوسع وأشمل يمكن أن تندلع على كافة الجبهات؛ يتجاوز هدفها رد الفعل على حدث محدود إلى تقويض المشروع الاستعماري ونيل الحرية وعودة اللاجئين.

 

الإشارة السادسة: المخيلة الجماعية بإمكانية التحرير

هذا الإنسان العجيب هو الكائن القادر على تخيل الأشياء ثم تحويل ذلك الخيال إلى الواقع، فالخيال يمتلك قوة الإلهام وتحفيز الدافعية لصناعة الواقع. حتى عهد قريب كان أكثر الناس في فلسطين يتحدثون عن تحرير فلسطين بأنه حلم جميل وأمنية تنتظر انقلاب الموازين وحدوث معجزات، لكن المزاج العام تغير بعد جولة المواجهة الأخيرة، فقد بدأ الناس يتحدثون عن تحرير فلسطين بأنه ممكن.

لقد ولَّدت الأحداث الأخيرة القوية والمتزامنة روحاً جديدةً في نفوس الناس، وأن الفلسطينيين يمتلكون قوىً كامنةً، وأن إسرائيل تنطوي على عوامل ضعف قاتلة. هذا الشعور نزع مهابة العدو من نفوس الناس وحفَّز فيهم إرادة التحدي، وهو شعور لو تمت تنميته والمراكمة عليه فإنه سيتحول إلى حركة فعل عظيمة تغير الواقع في المستقبل.

 

الإشارة السابعة: التضامن العالمي

إن من ميزات فلسطين أنها تحمل رمزيةً لكل التواقين إلى الحرية والعدالة وتقويض الاستعمار والتمييز العنصري في كافة أرجاء العالم، ولعل هذا من معاني بركة هذه الأرض: “الأرض التي باركنا فيها للعالمين”.

فلسطين قبلة كل الذين يتوقون إلى النضال من أجل الحرية ومناهضة التمييز العنصري والقوى الاستعمارية في العالم، وهي قبلة للمسلمين بسبب المسجد الأقصى وقبلة المسيحيين بسبب ميلاد المسيح عليه السلام، وبذلك جمعت هذه الأرض المباركة كل عوامل الجذب.

خرجت بالتزامن مع جولة التصعيد الأخيرة تظاهرات حاشدة وغير مسبوقة في الولايات المتحدة وبريطانيا وعشرات البلدان الأخرى، وظهرت مواقف لمشاهير عالميين هتفوا بحرية فلسطين. هذا التضامن العالمي المتزايد يساهم في تعزيز صورة إسرائيل بأنها دولة غير طبيعية، ويراكم في نزع شرعيتها، ويزيد من حرج الدعم غير المشروط الذي تقدمه الحكومات الغربية لها.

هذا التضامن يشجع أيضاً على طرح أسئلة كانت خارج دائرة المفكر فيه أصلاً، كما فعل ستيفن والت في مجلة فورين بوليسي الأمريكية؛ بدعوته إلى إنهاء العلاقة الخاصة بين الولايات المتحدة وإسرائيل وتحويلها إلى علاقة عادية مثل أي دولتين، أو كما حدث في مقال رفائيل ميمون في صحيفة واشنطن بوست؛ الذي قال فيه إن الصهيونية لا يمكن أن تنتج سلاماً وإن الضغط الخارجي فقط هو القادر على إنهاء الفصل العنصري الإسرائيلي.

حتى لا نفرط في رفع سقف التوقعات، فهذا لا يعني انقلاباّ جذرياً قريباً في مواقف الدعم الغربي الرسمية لدولة الاحتلال الصهيوني، لكن التغيرات الكبرى تبنى على التراكم، وما كان محرَّما الاقتراب منه بالأمس صار موضع نقاش اليوم، ومع قدرة الشعب الفلسطيني على الاستمرار في نضاله المتعدد في الداخل والخارج وتطوير أدواته والتخلص من عقباته، فإن ذلك سيدفع حتماً باتجاه تعزيز التضامن العالمي مع حقوق الشعب الفلسطيني وتعزيز عزلة المشروع الاستعماري الصهيوني. فالعالم يحترم الأقوياء ويستجيب إليهم، ومن القوة أن تكون قادراً على تحدي محاولات اجتثاثك وعلى كسر إرادة عدوك.

صحفي وكاتب فلسطيني

اقرأ ايضا: مدرسة شميدت لبنات فلسطين (نقطة)

** جميع الآراء المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي “دار الحياة



نسعد دائما بتفاعلكم معنا، يمكنكم ترك تعليق اسفل الموضوع، جميع التعليقات مفتوحة لزوار الموقع بشرط عدم التجاوز في حق احد او ازدراء الاديان.
بوابه الخليج أونلاين مجلة الكترونية عربية تهتم بنشر اهم وابرز الاخبار والتحديثات حول العالم، جميع الاخبار والموضوعات المنشورة هنا ليست وجهة نظر المجلة ولكنها تحت مسؤولية المحرر

التعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *